سيادة القانون فوق الجميع و مكافحة الفساد

يصبر السوريون على شظف العيش و على قلة الدخل و على انقطاع الكهرباء و على صعوبات كثيرة، لكنّهم لا يصبرون، و لا يجب أن يصبروا أبداً على مسؤول يستغل منصبه، أو ثري يشتري حكم محكمة من قاض فاسد، أو متعهد يقدم الرشاوى ليأخذ مشاريع الدولة. حادثة فساد واحدة قد تفقد مئات الآلاف من السوريين إيمانهم بالدولة و تدفعهم إلى البحث إما في تدمير هذه الدولة التي يرونها لغيرهم، و إما في تعريف أنفسهم بتكتلات ما قبل الدولة سواءً كانت طائفية أو مناطقية أو عشائرية أو غيرها. لقد اعتمد النظام اسلوب ترك الباب موارباً للفساد، كآلية لضمان الولاء و لتجنب خلق الأعداء، و قد أثبتت هذه المقاربة فشلاً ذريعاً في تحقيق هدفها الأساسي، و هو ضمان الولاء (و الأمثلة كثيرة)، كما تسببت في أضرار فادحة على صعيد الرأي العام و مدى إيمانه بالدولة، و تسرب عن طريق الشقوق الكثيرة التي أصابت المجتمع من هذا الباب، الكثير من السوريين الذين استمرأوا ممارسة الفساد في أصغر تفاصيل حياتهم اليومية، مما غيرهم كأفراد و جعلهم فرائس سهلة للإغراءات المالية القادمة من الخارج، حتى في مجال خيانة بلدهم.

لا يمكن للسلطة التنفيذية أن تصل إلى جميع الناس لترغمهم على تنفيذ القانون، خاصة و هم يرون الفساد مستشرياً حيثما نظروا. لا مناص عن العمل لكسب اقتناع الشعب بجدية النية لإعلاء كلمة القانون، و لمكافحة الفساد، و هذا العمل يجب أن يتواصل على عدة أصعدة، من أهمّها، كشف و فضح حالات الفساد و عدم التستر عليها و الاكتفاء بإعفاء فلان من منصبه، فبهذا الإعفاء، لا يتم إيصال الرسالة إلى المواطن بأن القانون فوق الجميع.

موضوع الفساد موضوع كبير و شائك، و لكن هناك طرق عملية يمكن اعتمادها لكشف الكثير من حالاته، لعل من أهمها بناء بنية تحتية للتعامل المالي الالكتروني، و من استخدامها بشكل فعال لإخراج التعاملات المالية إلى السطح، و جعلها مكشوفة و شفافة أمام المواطن و أمام الصحافة. ربما يجب أن نقيم ندوات لبحث تكلفة هذا الموضوع و نسأل المواطن الذي يكرر رغبته في مكافحة الفساد، هل هو مستعد لإدخال معلومات بيعه للعقار و إيجاراته و تجارته و مصانعه و سائر تحركاته المالية في نظام مالي مركزي؟ يجب أن يعلم المواطن أنه لا مجال لحصر الفساد - المالي على الأقل - دول دفع ثمن من هذا النوع. التكنولوجيا موجودة و بالإمكان بناء نظام يشمل القطر خلال بضعة سنوات.

هذا الموضوع، بنظرنا، أولوية، لأنه بفقدان الثقة في الدولة، و بانتفاء الإيمان بها، نفقد انتماء المواطن إليها، و بفقدان انتماء المواطن نحوله إلى فرد تائه تتقاذفه الضغوط و الإغراءات المختلفة و قد تلقي به في خيارات خاطئة تبدأ بالرشوة و لا تنتهي إلا بحمل السلاح و الثورة. ربما يقول البعض أن هذا الطرح يأتي متأخراً، فليكن، و لكن هذا الموضوع برأينا موضوع أساسي و شديد الأهمية.