الوضع الإقتصادي والحفاظ على التوجه نحو حماية الفئات الأكثر فقراً

برغم الضعف الإقتصادي السوري حتى أواسط التسعينيات من القرن الماضي، كان التوجه نحو حماية الفئات الأكثر فقراً واضحاً تماماً في ممارسات الدولة، التي حافظت على الطابع الإشتراكي في الخدمة المدنية، واستمرت في توفير الدعم للسلع الرئيسية والطبابة والتعليم المجانيين، بالإضافة إلى ضمان التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة من خلال الدولة مباشرة أو من خلال النقابات. لم تجلب هذه الممارسات الرفاه للشعب السوري، لكنها حافظت على الوجود القوي للفئة المتوسطة واستمرت في حماية الفئة الفقيرة.
بدأ هذا الوضع في التغير منذ نهايات التسعينيات، وبدأ ما سمي بالإصلاح الإقتصادي يأخذ الدولة السورية بعيداً عن وجهها السابق كدولة تقدم الخدمات العامة بطريقة اشتراكية وتضمن الحماية الإقتصادية للفئات الأكثر فقراً. بلغ هذا التحول أوجه مع سياسات نائب رئيس مجلس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية عبدالله الدردري وفريقه (حوالي العام 2006)، وبدأت الفئة المتوسطة بالانحسار، لصالح توسيع الهوة بين الفئتين الغنية والفقيرة. طبعاً كان لهذه السياسة جانب إيجابي تجلى في رفع سوية حياة الجزء من الفئة المتوسطة الذي تمكن من الحفاظ على موقعه المتوسط، مع فرص عمل جديدة تجلت في الشركات الكبرى مثل شركات الاتصالات والبنوك الخاصة، إلا أن توفر مجموعة واسعة من الخدمات ووسائل الرفاهية والمنتجات الجديدة جعل من المرتبات الأعلى التي حصلت عليها هذه الفئة برغم أنها بلغت أضعاف ما كانت تحصل عليه سابقاً غير قادرة على الاستجابة لكافة متطلبات الحياة الجديدة، التي جاءت ايضاً بكلفة عالية، وهو ما لعب دوراً سلبياً من الناحية النفسية، حيث أن ضغط الحياة لم يعد متوقفاً على توفير الأساسيات، بل أيضاً توفير ما أمكن من الكماليات ونمط الحياة الجديد المكلف إلى حد كبير. زاد في هذا الضغط النفسي طول ساعات العمل، وتوفر الاستدانة من البنوك الجديدة، وما يستتبعه ذلك من ضغط السداد الذي يستهلك الجزء الأكبر من الرواتب. بالمختصر، لعب الانتقال إلى اقتصاد السوق دوراً سلبياً بالنسبة للطبقتين الفقيرة والمتوسطة، حيث لم تأت هذه السياسات بالانتعاش الإقتصادي المأمول منها، وبدا أنها تمكنت فقط من توفير رفاهية أعلى للفئة الغنية مقابل فرض نفقات أعلى على الفئتين المتوسطة والفقيرة كما أسلفت، دون أن يكون هنالك انتعاش اقتصادي ملموس، كما لم يترافق ذلك مع مكافحة فعالة للفساد، مما أتاح استغلال هذه السياسات للكسب غير المشروع.
يجب أن تتم إعادة توجيه الإصلاح الاقتصادي باتجاه حماية الفئات الأكثر تعرضاً للفقر (الفقيرة والمتوسطة)، والحفاظ على مجانية الخدمات العامة الأساسية خصوصاً التعليم والطبابة، وتوفير الدعم الذكي للسلع الأساسية لمستحقيه فقط. وفي الوقت نفسه، يجب العمل على الوصول إلى انتعاش إقتصادي حقيقي من خلال تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورعاية الريادة والابتكار وتسهيل التمويل للأفكار الجديدة التي تؤدي إلى تأمين فرص عمل وتوفير عائد إقتصادي حقيقي للبلد، بالإضافة إلى إصلاح النظام الضريبي وتوجيهه نحو زيادة عائدات الدولة بطريقة حديثة وتصاعدية تتيح عدم التهرب الضريبي وعدم إثقال كاهل الفئات الفقيرة بالضرائب في نفس الوقت.