إصلاح آليات عمل مختلف الأجهزة الأمنية

حتى بداية الأزمة الحالية، كان الشعور العام في سوريا هو أن النظام قادر وبحكم وجود أجهزته الأمنية المرهوبة الجانب والتي تتمتع بمهارات عالية وخبرة فريدة على عزل سوريا عن موجة الاضطرابات التي عصفت بالمنطقة وبدول جوار سوريا خلال السنوات الماضية.
ومع أن البعض، مثل أولئك الذين سعوا إلى لعب دور عام في الحياة السياسية من خارج النظام أو الإسلاميين الذين يدفعهم طموحهم في تغيير النظام تعرضوا لضغوطات على درجات مختلفة من قبل هذه الأجهزة الأمنية (مثل المضايقات أو الاعتقال أو التعذيب أو الحكم بفترات مختلفة من السجن من قبل المحاكم الخاصة) ، إلا أن غالبية السوريين تقبلوا لدرجة ما الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في الحياة العامة برغم الممارسات المثيرة للجدل من قبلها، وذلك بمقابل الحفاظ على الأمان والاستقرار في الدولة. وليس انتشار الكثير من النكات والانتقاد الساخر لدور هذه الأجهزة سواء بين عامة الناس أو حتى في الدراما والكوميديا التي وجدت طريقها بسهولة إلى التلفزيون الرسمي إلا إشارة غير مباشرة على تقبل الوضع الذي كان سائداً في هذا المجال.
إلا أن الأزمة هزت هذه الصورة التي ظلت سائدة لسنوات طويلة، وشعر الكثير من السوريين أن هذه الأجهزة الأمنية ليست بالمستوى الذي كان متوقعاً من حيث الفعالية والكفاءة، حيث ظهرت الحدود السورية وكأنها سائبة أمام تدفق السلاح والمسلحين سواء السوريين الذين وجدوا في بعض دول الجوار مأوى آمن لهم وبدأوا بالعبور جيئة وذهاباً عبر الحدود، أو الجهاديين العرب والأجانب الذين تدفقوا إلى سوريا. كما انتشرت إشاعات كثيرة بعضها صحيح للأسف عن خيانات في داخل بعض الأجهزة الأمنية سهلت للإرهابيين القيام بأعمالهم ضد الجيش والمنشآت العامة والخاصة والمدنيين. يشعر الكثير من السوريين أن الأجهزة الأمنية لأسباب متعددة تتراوح بين الفساد أو عدم الكفاءة أو الانتماءات الأيديولوجية التي تتعارض مع الانتماء الوطني لبعض العناصر فشلت في توقع الأزمة، كما لم يكن أداؤها مقنعاً في إدارتها والحد من أضرارها.
بالإضافة إلى ذلك، تسربت بعض مقاطع الفيديو خلال الأزمة، خصوصاً في بداياتها، تظهر التعامل العنيف للأجهزة الأمنية مع بعض الفئات، منهم من ارتكب أفعالاً جرمية، ومنهم من كانوا مجرد متظاهرين سلميين. أظهرت هذه المقاطع عدم الحرفية الأمنية في التعاطي مع المتظاهرين السلميين، والمخالفات والانتهاكات التي ارتكبت بحقهم، وأظهرت النظام كنظام قمعي عنفي غير قادر على التعاطي مع الرأي المخالف، وسهلت في الوقت عينه على المعارضة تشويه صورة المقاربة التي اتبعتها الدولة في التعاطي مع الأزمة، حيث عملت المعارضة على إظهار هذا التعاطي كحل أمني منفرد وتغييب الجانب السياسي الذي سار بالتوازي مع الجانب الأمني.

من جهة أخرى، يؤمن الكثير من السوريين أن للأجهزة الأمنية، خصوصاً العسكرية منها، الفضل الأكبر إلى جانب تماسك وقوة المؤسسة العسكرية، في مقاومة سوريا للتمرد المسلح المدعوم من الخارج والذي يحظى برعاية وتدريب بعض دول المنطقة وبعض الدول الأخرى في العالم، كما يؤمن الكثير من السوريين أن الأجهزة الأمنية تمكنت من إحباط أعمال إرهابية في مراحلها الأولى، كان من الممكن أن تؤدي إلى الكثير من الضحايا بين المدنيين وفي صفوف الجيش والأمن. من العدل أيضاً أن ننظر إلى أداء الأجهزة الأمنية في ضوء حجم الدعم الكبير الذي يتلقاه المتمردون المسلحون، والضغط السياسي والدبلوماسي والشعبي الكبير الذي تعرضت له هذه الأجهزة.
أحد المواضيع الهامة التي يجب أن تتم ملاحظتها في عملية الإصلاح هي المسألة المتعلقة بالتفريق بين المدتدين والمتطرف. يجب أن تتم طمأنة الفئات المتدينة من المجتمع السوري بأنها ليست هدفاً للمضايقات الأمنية، وأنه سيتم احترام حريتها الدينية جنباً جنب مع حرية جميع الفئات السورية الأخرى، وأن قوانين مكافحة الإرهاب لن تستخدم للتضيق على الحريات الدينية، طالما أن هذه الحريات هي مسألة شخصية وأن الشخص المعني غير متورط في أية أنشطة محددة ومثبتة بالدليل القاطع تشكل خطراً على الأمن العام أو الوحدة الوطنية.
من نافل القول أن هذه الأجهزة لا تزال تلعب دوراً هاماً في حماية سوريا من التداعيات الأكثر خطراً للأزمة، كما أن الكثيرين من قادة وعناصر هذه الأجهزة يتميزون بالانضباط العالي والكفاءة والروح الوطنية، وهؤلاء يعملون جاهدين لحماية المواطنين على عدة مستويات، وإن كانت بعض ممارساتهم لا تزال بحاجة إلى التطوير والتدريب. كما أن بعض قادة الأجهزة الأمنية يتمتعون بخبرة منقطعة النظير في شؤون التنظيمات المسلحة المتطرفة في المنطقة، والعديد منهم أثبتوا ولاءهم للوطن وعدم فسادهم. منم المهم هنا الإشارة إلى تكامل دور الأجهزة الأمنية التابعة للجيش مع دور الجيش ذاته، وهو ما يعزز النظر إلى هذه الأجهزة كرديف للجيش في الحفاظ على سلامة الوطن ووحدة أراضيه.
لقد بدأت عملية إصلاح الأجهزة الأمنية بالفعل، على مستويين أساسيين: المستوى الأول هو التخلص من العناصر الفاسدة والمفسدة، وتدريب وتمكين العناصر الوطنية، والمستوى الثاني هو على مستوى القيادة من خلال توحيد القيادة الأمنية للأجهزة المتعددة في مجلس واحد وإخضاع ممارساتها للمراجعة والتدقيق. من المهم في عملية إصلاح الأجهزة الأمنية التركيز على هذين الجانبين معاً، بحيث لا يؤدي هذا الإصلاح إلى فراغ أمني يدفع المواطنون ثمنه، وفي نفس الوقت، يوصل إلى عملية تحديث شاملة لهذه الأجهزة تحدث تغييراً حقيقياً في التعاطي مع المخاطر الأمنية، وتخضع الأجهزة لسلطة الشعب من خلال لجنة برلمانية متخصصة. من الواضح أن محاربة فساد الأجهزة الأمنية ومنع تدخلها في التعيينات المدنية والسياسية، وتطبيق آليات للرقابة على عملها دون الإضرار بسرية عملياتها وكفاءتها، ودون إخضاع هذه العمليات للمزاج السياسي كما هو الحالي في بعض دول المنطقة. يبقى العنصر الأهم في هذا الإصلاح هو التخلص من القيادات الفاسدة حيث وجدت، وتحديد مهمة الأجهزة الأمنية بحماية سلامة الوطن ووحدة أراضيه.
من المهم أيضاً توفير الدعم المطلق للأجهزة الأمنية في مهمتها المحددة في حماية سوريا ومواطنيها وأجهزة الدولة، ولا يمكن لهذا الدعم أن يتحقق دون الوصول إلى مستوى معين من الشفافية يتيح إرساء الثقة العامة بهذه الأجهزة ودورها وومارساتها، وتلعب الرقابة القضائية على عمل الأجهزة الأمنية دوراً هاماً في هذا الجانب، وذلك من خلال إخضاع المخالفات التي يمكن أن ترتكبها الأجهزة الأمنية للقانون المدني ورفع الحصانة عنها، وإتاحة تقديم عناصرها للمحاكمة العادلة عند ارتكابهم انتهاكات أو مخالفات.