دراسة عمر حلاج

 بعد ثلاث أعوام من العنف المسلح في سورية مدفوعاً بعوامل تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم بعضها داخلي وبعضها خارجي خسرت فيها البلاد من الأموال والأرواح ما خسرته لم يعد من الممكن الكلام عن مصالحة سريعة أو  سهلة فأي عملية مصالحة يجب أن تأخذ بعين  الإعتبار:

  • إخراج العوامل الخارجية خارج الخلاف السوري السوري ليتمكن السوريون من امتلاك منصة الحوار.
  • اشراك جميع المكونات والتيارات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية بما في ذلك الأصوات التي كانت مضمرة  في المجتمع السوري سابقاً.
  • مقدار الألم والحقد الذي تولد لدى جميع المكونات المجتمعية التي خسرت أعز ما لديها نتيجة العنف.
  • حجم  المشكلة التي ستتطلب موارد هائلة لتوفير الحد الأدنى من المعيشة والكرامة الإنسانية لإقناع العناصر التي باتت تعتمد على استمرار العنف في معيشتها وتوفير الضمانات اللازمة لها للإندماج في الإقتصاد المحلي السلمي والإبتعاد عن اقتصاد الحرب.
  • عمق تغلغل العنف على طول الجغرافيا السورية وعرضها مما سيتطلب أدوات للوساطة والمصالحة في كل قرية وحي حتى  تلك التي لم تشهد العنف مباشرة نتيجة انتشار النازحين وعلاقات الرحم والقرابة بين المناطق السورية، فما من عائلة في سورية لم تشهد خسارة ما أو تتهدد في وجودها ومعيشتها.
  • لا يمكن المصالحة بدون وجود محددات مناسبة للعدالة التي يجب تطبيقها على الجميع بالتساوي والتي لا يوجد لها إطار واضح اليوم مما يهدد المقاتلين من كل الأطراف بالثأر والإنتقام، وعدم وجود تراث أو تقاليد واضحة يمكن الإتكال عليها للمسامحة والغفران.
  • لا يمكن المصالحة بدون أن يرافق ذلك عملية إصلاح حقيقية تلبي متطلعات كل السوريين وليس فقط فئة منهم لحياة كريمة وتضمن حقوقهم كاملة بالتساوي.

لقد درج الحديث في خضم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السوريون عن ضرورة العمل على الإغاثة وتلبية الإحتياجات الإنسانية، وفي الحقيقة فإن تلبية الإحتياجات الإنسانية هي عملية مستحيلة في غياب عملية تهدئة شاملة ومصالحة تضمن إيقاف تدهور الأوضاع وعودة المهجرين إلى بيوتهم وانغماسهم في النشاط الإقتصادي. إن حجم الكارثة الإنسانية في سورية لا يمكن أن تغطيه أي منح من المنظمات الدولية، والتبرعات الأهلية قد جفت أو قاربت على الجفاف. إن إيقاف العنف وعودة الناس إلى أعمالها هي الضمانة الوحيدة لكي يتحول المجتمع السوري من مجتمع شبيه بالدول الفاشلة الخارجة من الحروب الأهلية في مناطق عديدة من العالم إلى وضع الإستقرار. فاستمرار العنف في سورية يحصد كل شهر ما مقداره سنة من التنمية، وقد خسرت البلاد أكثر من 30 عاماً من التنمية. إن كل المواضيع الأخرى التي يتم طرحها في هذا المجمع الحواري لن تتم إذا لم تبدأ سورية في عملية مصالحة شاملة.

وحيث أن عملية المصالحة لا يمكن أن تتم بشكل مصطنع وغير مقنع كسابقاتها التي قامت بها الحكومة كعملية تشاور على طريقتها فإن للحوار معايير أساسية يجب اتباعها لضمانة مقبوليته لأوسع شريحة من المجتمع السوري:

  • الحكومة (سواء المحلية منها أو المركزية الموالية أو المعارضة) ليست ميسر عادل للحوار وهي طرف في الخلاف ولا بد من الإتفاق على  أليات حوار لا تترأسها الكيانات الحكومية بل تشارك فيها كباقي الأطراف والمكونات المجتمعية (القوى السياسية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والقيادات المجتمعية المحلية والوطنية).
  • سيكون هناك مخربون للحوار سيسعون بكل جهدهم لإفساده. الدخول في الحوار لن يوقف العنف ولكنه قد يساعد في التخفيف منه. وبدون ضمانات لوقف العنف فإن أي طرف سيدعو لعقد الحوار في أرضه عليه أن يقدم ضمانات السلامة للمشاركين من المناطق الأخرى (ولأقاربهم وأموالهم). وفي حال تعذر ذلك يجب أن يتم الإتفاق على اللقاء على أرض محايدة في البدء إلى  أن يتم بناء ثقة مشتركة بين المتحاورين. وهذا يسري على جميع مستويات الحوار المحلية منها والوطنية.
  • لن نصل إلى نتائج مباشرة من أول عملية حوار وسيكون على جميع الأطراف أن تتعهد بالاستمرار في الحوار لفترة طويلة إلى أن يتم تجاوز المرحلة الحرجة من الخلاف وقد تلزم أدوات الحوار الوطني على المدى البعيد لإعادة بناء العقد الإجتماعي على المدى الطويل (عملياً وليس نظرياً).
  • على جميع الأطراف أن تحاول تفهم وضع الأطراف الأخرى حتى وإن لم تتقبلها لكي نستطيع الوصول إلى حلول قد تكون مقنعة وعدم الإنغلاق على حلول نعرف مبسقاً أن الأطراف الأخرى لا يمكن أن تتقبلها، وأن العنف للسنوات الأخيرة لم يستطع أن يحققها، وأن استمرار العنف حتماً لن يحققها. إن الحوار ليس استمرار العنف بطريقة أخرى بل هو عملية إيجاد حلول ممكنة ترضي الجميع بأفضل طريقة ممكنة بحيث لا يخرج أحد من الحوار خاسراً أو رابحاً. كل السوريين خسروا في هذه الحرب وكل من يسعى للنصر واهم. جل ما يمكن تحقيقه في عملية الحوار هو عدم خسارة المزيد.

هناك أدوات أساسية للمصالحة تمت تجربتها في دول أخرى وهي قد تكون نافعة كنماذج للوضع السوري وقد لا تكون. سيكون على السوريين أن يصمموا أدوات مصالحة خاصة بهم وتعتبر الحوارات لتصميم أدوات المصالحة جزءاً لا يتجزأ من عملية المصالحة. غير أنه من المؤكد أن أدوات المصالحة ستعمل على مستويات عدة وسيكون لكل منها متطلباته واشتراطاته. ولابد من  استخدام أدوات تعمل من القمة إلى الأسفل وأدوات أخرى تعمل من القاعدة إلى الأعلى بحيث تتكامل جميع مستويات التدخل وتخلق قوة أخلاقية تدعم بناء السلام. تستعرض هذه الورقة عدة أدوات محتملة كنماذج علماً بأن أياً منها لن يكون كافياً بذاته وسيحتاج إلى أدوات أخرى لتدعمه. وحيث أن طبيعة النقاش الجاري الآن مازالت في أطر دراسة الإحتمالات فإن تطوير التفاصيل العملية لهذه الأدوات في السياق السوري سيتطلب مساهمات المشاركين في هذه الجلسات لتنقيح الأفكار وتعميقها بما يساعد على تحديد نقاط القوة والضعف وطريقة تكامل هذه الأدوات. حيث قد يضطر الأمر لتشكيل فرق عمل لكل منها لوضع تصور تنفيذي مفصل لها ضمن فترةمحددة بعد الإنتهاء من جلسات النقاش.

المفاوضات السياسية العلنية:

وهي ما يسمى في لغة عمليات الوساطة  لبناء السلام بالمسار الأول. في هذا المسار لا بد من اشراك أغلب العناصر الفاعلة سياسياً وعسكرياً في التفاوض. تحتاج الحوارات المؤطرة لمثل هذا المستوى العالي من التمثيل السياسي لمساحة من الخصوصية للبحث في إمكانات جديدة والبحث عن أبواب لم تطرق من قبل ولكن نتائجها ستكون علنية  لأنها ستعطي مؤشر واضح لبدء عملية السلم بشكل جاد. وجل ما يمكن لهذه المفاوضات أن تنجزه هو ما يلي:

  • تصور عام لخارطة الطريق لعملية الحوار والمصالحة (المراحل والمؤشرات لإنجاح كل منها).
  • إعطاء الضوء الأخضر للمسارات الأخرى لتبدأ بعملها.
  • الإتفاق على إطار عام للحوار الوطني الشامل.
  • إنجاز بعض مؤشرات بناء الثقة فمثلاً في حالة النجاح المطلق يمكن الوصول لإطار عام لوقف إطلاق النار في بعض المناطق وبعض عمليات تبادل الأسرى والمخطوفين ولو بشكل محدود.

ما لا يمكن تحقيقه في هذه المفاوضات:

  • تغيير المواقف الأساسية  للأطراف المتقاتلة.
  • وقف العنف بشكل مطلق.
  • وضع دستور أو أليات تفصيلية لعملية التحول السياسية.

إن الدور الأساسي للمشاركين في هذه المفاوضات هو تمثيل مصالح الجهات الأساسية في الصراع وهي ليست مقتصرة على الفئات المتقاتلة بل يجب أن تضمن مشاركة المصالح المجتمعية بما في ذلك دور المجتمعات الأهلية والتي تمثلها منظمات المجتمع المدني. وحيث أن المجتمع المدني لا يستطيع غالباً التأثير على الفئات المتقاتلة فإن دوره في هذه المرحلة هو الإشراف والمراقبة ووضع الأطراف المتصارعة أمام استحقاقات عملية بناء السلام ولكن المبدأ الأساسي للمفاوضات هو في خلق الإطار المناسب للأطراف المتصارعة لتهدئة العنف بما يسمح لباقي مسارات السلم بالبدء. لذا فإن المجتمع المدني لن يدخل كطرف في هذه المرحلة، على عكس المسارات الأخرى المذكورة أدناه والتي سيكون المجتمع المدني طرفاً أساسياً فيها لأنها ستناقش مستقبل المجتمع ككل وليس فقط مستقبل الأطراف المتصارعة.

الحوار السياسي الخاص:

إن الخطأ الأكبر في إدارة المفاوضات المذكورة  أعلاه هو إشهارها إعلامياً لتبدو وكأنها الحل الوحيد المرتجى مما يضع ضغط كبيرعلى المشاركين لإعادة إنتاج خطابهم  بغية إرضاء مريديهم والفئات الداعمة لهم مما يحد من فرص النجاح. لذا لا بد من مسار خاص يضمن مشاركة عدد من الأشخاص المختصين الذين يمثلون مصالح ووجهات نظر الأطراف الأساسية في المجتمع لكي يجتمعوا ويناقشوا خطوة بخطوة ما يحتاجه الفرقاء للوصول إلى إتفاقات وتجديد هذه الإتفاقات مع تطور المستجدات على الأرض. يسمى  هذا المستوى  من الحوار أحيانا بالمسار واحد ونصف. ويمكن لهذا المستوى من الحوار أن ينجز ما يلي:

مساحة خاصة للقاء الأطراف وبناء الثقة.

  • نقطة تواصل لإحتواء الأزمات ومناقشة الحلول الجزئية أو الكلية ليتم عرضها على أصحاب القرار كسيناريوهات ممكنة . إن وجود مثل هذه المنصة من شأنه إبقاء خط تواصل بين الفرقاء حتى في أحلك الظروف يسمح في العمل للعودة إلى مسار السلم وتصحيح الأخطاء.
  • مناقشة السناريوهات التي يمكن أن تظهر في عمليات الحوار الوطني الشامل ومنعكساتها على  كل من الفرقاء ومقبوليتها لديهم.
  • إنجاز اتفاقات مرحلية بين اثنين أو أكثر من الفرقاء.
  • الإتفاق على آليات التمثيل المطلوبة لجميع الفرقاء في عملية الإنتقال السياسية والتي قد تشمل حكومة إنتقالية أو مراحل واضحة للتغييرات السياسية.
  • توفير الضمانات  من قبل الفرقاء لبعض الشروط الأساسية لحماية الحوار.

ما لا يمكن لهذا المستوى من الحوار أن يقوم بها:

  • ابرام اتفاقات عامة تسري على جميع المواطنين أو تصادر حقهم في مناقشة تطلعاتهم مستقبلهم.
  • إنهاء العنف.

الحوار الوطني الشامل:

هذه العملية ستحتاج إلى سنوات لإنجازها ولكنها يمكن أن تنجز بعض مؤشرات النجاح بشكل مرحلي سريع. إن الحوار الوطني الشامل يجب أن يشمل جميع مكونات  المجتمع ليضمن وصول أصوات الجميع في صياغة العقد الإجتماعي الجديد بما في ذلك المجتمع المدني والقطاع الخاص وليس فقط المركبات الإجتماعية التقليدية أو تلك التي يفرضها حاملوا السلاح. وحيث أن مكونات المجتمع هي  أمر مختلف عليه في الأساس فإن المرحلة الأولى منه يجب أن تركز على أكبر قدر من الشمولية ويكون مخرجها  الأساسي هو تصميم عملية الحوار ومعايير اختيار المشاركين فيه. هذا البعد من المفاوضات هو مسار ثان لا بد منه من مسارات السلم. وليس من  المستبعد أن يكون عدد المشاركين في المرحلة الأولى يفوق 500 شخص.

أما المراحل التالية من الحوار ستبني على نتائج اتفاق المرحلة الأولى الذي حدد معايير الإشتراك في الحوار والفئات التي يجب تضمينها . يمكن لعملية الحوار أن تنتج مايلي:

  • الإتفاق على المبادئ الأساسية (فوق الدستورية) المطلوبة قبل تكليف المختصين بالبدء بالعمل على صياغة الدستور.
  • الإتفاق على القيم الوطنية الأساسية وأولويات قضايا الإصلاح والتغيير.
  • الإتفاق على آليات ومراحل الإنتقال السياسي (تشكيل الهيئة التأسيسية، الإنتخابات بمستوياتها المختلفة)
  • أليات تمثيل مكونات المجتمع وضمان الحقوق للجميع بالتساوي.
  • أطر ضمان العدالة  والمؤسسات القضائية والمجتمعية اللازمة.

ما لا يمكن إنجازه في هذا الحوار:

  • كتابة الدستور.
  • تطوير الصيغة النهائية للسياسات الإصلاحية أو التغييرات السياسية.
  • إيقاف العنف المحلي في كل أرجاء البلاد.

إن هذا الحوار سيكون علنياً لأن عليه أن ينقل لجميع السوريين ما يجري فيه من حوارات وتشجيع المجتمع السوري بالتفكير في مواضيع الحوار وتطوير أرائهم وفهمهم لأراء الأخرين.

الحوار السياساتي التقني:

إن المشاركين في الحوار الوطني والمفاوضات قد لا يملكون في الأساس الخبرة التقنية لتحديد الشكل الأنسب والصيغ القانونية لصياغة الدستور والقوانين الأساسية المطلوبة لضمان عملية التغيير السياسية. كما قد لا يملكون الخبرة التقنية لرسم السياسات المطلوبة وتحديد الموازنات  التفصيلية. لذا من الضروري إيجاد مساحات حرة من التفكير تشارك فيها مجموعة هامة  من الخبرات  الوطنية وحتى الدولية لبحث الحلول العملية وعرضها كسيناريوهات أمام الجهات السياسية العاملة على إنجاز عملية الإنتقال السياسية. ويجب أن لا  يتم هذا الحوار على مستوى رسمي فقط بل بإشراك أوسع شرائح ممكنة من الجهات المعنية. ويجب التذكير بأن هذا الحوار لا ينجز سوى سيناريوهات ولا يستطيع فرض أي منها. وهو نسبياً مفتوح رغم أن مواضيعه قد تكون من التخصصية بمكان لكي يهتم بها المختصون ولكنه لا يمكن أن يكون مغلقاً ويجب تقديم نتائجه للعموم بشكل دوري للتحقق من مصداقيتها.

الجمعية العمومية التأسيسية:

بعد الإتفاق في جلسات الحوار الوطني يمكن  الوصول إلى  آليات  تمثيل أو انتخابات متفق عليها للوصول إلى تشكيل الجمعية العمومية التأسيسية. والتي ستكون موكلة إما بعملية كتابة الدستور بشكله النهائي أو بالإشراف على الجهات  المختصة بذلك وبعرض النتائج النهائية (الصيغة النهائية للدستور) للإستفتاء العام لتنتهي مهمتها بعد إنجاز الدستور. وتبدأ بعدها عمليات الإنتخابات للسلطات التي سيحددها الدستور بصيغته النهائية.

سيكون على الجمعية  العمومية التأسيسية أيضاً أن توفر الإطار الرقابي على الحكومة في المرحلة الإنتقالية والتأكد من عدم تجاوزها حدود الصلاحيات المتفق عليها في المفاوضات السياسية. بالمقابل فإن الجمعية العمومية قد ترتأي تعليق العمل في بعض القوانين المعيقة لعملية السلم الأهلي أو الحوار الوطني (بدون صلاحية إلغاء أو فرض أي قوانين) إلى أن يتم إنجاز الدستور والمصادقة عليه في الإستفتاء العام.

إن الخطأ الأكبر هو في وضع الدستور بشكله النهائي قبل إطلاق عملية الحوار الوطني كما حدث في مصر حيث حاول الفائز المباشر في الإنتخابات الأولى بعد بدء العملية الإنتقالية أن يصادر العملية لصالح وجهة نظره المطلقة بدون الإعتبار لتأسيس مبادئ عامة يتفق عليها  الجميع بما في ذلك المبادئ التي سيتم بموجبها إختيار اللجان التي ستكمل عملية الصياغة. إن الفائز في الإنتخابات سيملك حق إدارة وتسيير الحوار ولكنه لن يملك حق مصادرة صوت الأخرين. من هنا فإن الحوار الوطني الشامل هو الذي سيحدد آليات انتخاب الجمعية العمومية وليس العكس.

حماية العدالة:

بعكس ما يجرى الكلام عنه في الكثير من الدوائر فإن المهمة الأساسية للعدالة في المرحلة الإنتقالية لن تكون محاكمة الأفراد وتجريمهم على ما اقترفوه من جرائم. ولكن المرحلة الأولى ستبدأ بتحديد آليات لاستقلال القضاء وبناء المؤسسات القضائية القادرة على المراقبة الحرة والمستقلة لعملية الإنتقال السياسية. كما ستضمن حوارات  العدالة الإنتقالية ضمانات حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة وكذلك اشتراطات الإدعاء والإثبات والدفاع. من ناحية الدور المباشر الذي سيناط بالمحاكم في المرحلة الإنتقالية فإن الحمل الأكبر لن يكون في التحقيق في الجرائم السابقة بقدر ما سيكون مثقلاً بضمانة حماية  الحقوق المستحقة مباشرة لكي يستطيع المجتمع من إعادة تطبيع علاقاته الإجتماعية والإقتصادية. من هذا المبدأ قد تنشغل المحاكم بشكل شبه كلي بعملية الصلح أكثر منها عمليات العقوبات. وربما يكون الجزء الأكبر من وقت القضاء مرهوناً لضمان عملية تثبيت الحقوق العقارية لمساعدة عودة النازحبين إلى بيوتهم حيث ن عودتهم ستكون مرهونة بفض النزاعات الناتجة عن تهدم المنازل واختلاط العقارات ببعضها البعض.

سيكون على المجتمع المدني السوري والقيادات المجتمعية بإشراف القضاء ولكن بدون تدخل مباشر منه البحث عن آليات يتم من خلالها مواجهة المجتمعات المتصارعة لبعضها البعض وتطوير مساحة يمكن من خلالها للجميع التعبير عن ألمه ومن ثم تطوير سرد جديد يمكن من الوصول إلى  إمكانية المسامحة  والغفران بشكل متبادل. إن هذا النوع من العدالة المعروف باسم العدالة التصالحية ليس فقط مدخلاً واقعياً (لن تكون هناك محاكم كافية للتحقيق في كل الجرائم ويجب إيجاد آليات واقعية للتعامل مع الكم الهائل من القضايا) بل هي مدخل أخلاقي لأنها ستعمل على  معالجة الأثار النفسية والإجتماعية للعنف.

عمليات الصلح والهدن المحلية:

رغم كل الإهتمام الجديد بمتابعة نتائج عمليات الهدن والمصالحة المحلية إلا أن الإنجازات المحدودة حتى الآن لم ترقى إلى مستوى عملي يمكن تكراره والإستفادة منه لتعميم التجربة. إن عمليات الصلح ووقف إطلاق النار هي العماد الأساسي لإنجاح أي عملية سلام، وبدون تخفيف العنف فإن كل الحوارات والمفاوضات ستبقى بدون جدوى. ولكن هذه العمليات لا يمكن أن تنجح بشكل مستدام يضمن عدم العودة إلى العنف بدون المكونات الأخرى. فإذا ظهرت الهدن بين المتقاتلين على شاكلة عملية استسلام  فإنها ستبقى مهددة في أي لحظة من قبل أصحاب المصالح من أمراء الحرب والمنتفعين من استمرار العنف. لذا يجب أن تترافق عملية إبرام الهدن بتغيير جذري في أطر الإدارة المحلية بما يسمح بخلق إطار انتقالي محلي إلى حين قيام الظروف الموضوعية لإنتخابات محلية وفق آليات متفق عليها في الحوار الوطني.

إن إنجاح عمليات الهدن سيكون مرهوناً بشروط يرتضيها أطراف الصراع المحليين والتي تمركز أغلبها حتى  الآن حول ضرورة إخراج العناصر المسلحة الخارجية. ولكن هناك إشتراطات أخرى تتعلق بتوفير المساعدات والمعونات الإغاثية والخدمات الأساسية. كما أن هناك خطر مستمر بسبب الحساسيات العالية من عودة العنف من خلال عدم القدرة على السيطرة على بعض العناصر أو الأفراد نتيجة خلافات فردية أو مجرد سوء فهم. لذا من الضرورة بمكان دعم عمليات الصلح والهدن المحلية بتشكيل لجان سلم محلية. هذه اللجان هي لجان حوار ومناقشة وليست قيادات عسكرية أو إدارية. ستكون مهمتها الأساسية جمع الأطراف المعنية وإحتواء المشاكل قبل أن تكبر وتهدد استمرارية الصلح أو الهدنة القائمة. إن إتفاق الأطراف المتصارعة في جلسات المفاوضات السياسية على إطار عام لتنظيم عمل هذه اللجان هو الأساس في تمكينها من لعب دورها ولا يمكن الإكتفاء بالدور المحدود غير الرسمي الذي أعطي لكل منها على حدى حتى الآن في بعض المناطق. فهذه اللجان ستحتاج إلى صلاحيات وموارد تمكنها من التواصل مع جميع الفرقاء المحليين. إن السبب الأول لفشل مهمة المراقبين العرب كان في غياب دور المجتمع المحلي والفرقاء المحليين في الرقابة على العنف. بدون هذا البعد المحلي الممأسس فإن عملية الصلح المحلية ستكون مهددة بشكل دائم.

إن دعم لجان السلم المحلية سيحتاج إلى عملية وطنية لدعم تشكيلها وضمان تمثيلها لكل الفرقاء المحليين وتوفير الموارد لها بطريقة شفافة ومقبولة للجميع. وهذا سيتطلب تشكيل لجان مناطقية وأخرى إقليمية ولجنة رئيسة وطنية مهمتها الإشراف العام ووضع المعايير للعمل وحل الخلافات الأكبر التي لا يمكن احتوائها محلياً.

دور المجتمع المدني في الحوار الوطني:

لقد أخذ المجتمع المدن السوري دوراً هاماً في عمليات الإغاثة وهذا مكنه من الوصول إلى جميع مكونات المجتمع المحلي بطريقة أكثر مقبولية من المؤسسات الحكومية أو السياسية أو العسكرية. وهذا قد خلق له دوراً لا يستهان به في السلم الأهلي. إن تضييق المجال أمام عمل المجتمع المدني في الماضي يجب أن ينتهي إلى غير رجعة. هذا لا يعني أن يترك القطاع بدون حوكمة ولكن أن تكون حوكمة  القطاع تدار بطريقة شفافة بحيث تكون رقابة الحكومة معنية بعدم خرق الجمعيات للقوانين وضمان  شفافية مواردها المالية ولكن فيما عدى  ذلك إطلاق دورها كحامل أساسي لصوت المجتمعات  المحلية وممثل عن  مصالحها. إن غياب أصوات  المجتمع المحلي في الماضي كان  أحد أهم أسباب الأزمة من حيث غياب دورالقيادات المحلية القادرة على احتواء العنف. لا بد  إذاً من تغيير الإطار القانوني والعملي للإشراف على عمل منظمات  المجتمع المدني ومن ثم يترك العنان لهذه المنظمات لتبدع حلولاً ملائمة لدعم السلم المحلي والحوار على المستوى المجتمعي  وهو ما يعرف بالمسار الثالث في عمليات بناء السلم.

سيمكن هذا المسار من خلق قيادات مدنية متمكنة من قيادة الحوار واحتواء العنف وتوفير صوت يمثل المجتمعات المحلية بحق من خلال التركيز على مفاهيم المواطنة (نظرياً وعملياً) وتطوير مهارات القيادة المسؤولة. إن تفعيل دور القيادات المجتمعية لدعم عمليات السلام المحلية والوطنية هو أحد أعمدة المصالحة وهو أمر لم يعد في ممكناً من خلال المؤسسات التي باتت ساهمت في قطبية المجتمع السوري في المرحلة الماضية. لقد انقسمت مؤسسات كثيرة في سورية وبقي المجتمع المدني السوري بالغالب صوتاً رافضاً للتقسيم وإن كان يشمل أصواتاً مطالبة بالتغيير السياسي. ولكن بمقابل الأصوات العسكرية والمتطرفة التي تعمل فعلياً على تكريس تقسيم البلاد (نتيجة استحالة الإنتصار العسكري)، فإن أصوات المجتمع المدني ما زالت بالغالب تؤمن بدولة موحدة وبأن قدر السوريين هو بأن يعيشوا مع بعضهم. لذا فإن إطلاق دور المجتمع المدني سيكون أساسياً في تمكين اللحمة والتجانس الإجتماعي.

 

خلاصة:

لا يوجد مدخل واحد أو طريقة وحيدة للبدء بعمليات السلم والمصالحة. بل هناك ضرورة لاستخدام العديد من الأدوات بشكل متزامن. تقدم هذه الورقة  تصوراً لمجموعة من أدوات المصالحة التي يمكن تطبيقها على المستويين الوطني والمحلي في محاولة لزحزحة الإنسداد الحاصل في عملية السلم في سورية. إن أهم العلامات الفارقة لهذه الأدوات هو في قبولها بدور متساو لكل الأطراف فبي عملية الحوار على قدر متساوِ من المشاركة بدون أن تكون الحكومة راعِ لها ولكن بمشاركة الحكومة كطرف فاعل شأنها في ذلك شأن القطاعات الأخرى المدنية والخاصة والمكونات المجتمعية المتنوعة. إن تكامل عمليات السلم من الأعلى إلى الأسفل مع تلك التي تنطلق من القاعدة إلى القمة سيخلق جواً من المقبولية العامة يدعم عملية التحول والإنتقال في سورية لا من حكم أحد الأطراف إلى حكم طرف أخر بل من نظام إداري سياسي ما إلى نظام إداري سياسي جديد يكون للجميع الإمكانية في المشاركة فيه بشفافية ومساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات. إن الحوار الوطني الشامل هو الإطار الوحيد للوصول إلى آليات مقبولة للجميع لتوجيه عملية الإنتقال. ولكن للوصول إلى هذا الحوار لا بد من توفير مساحة كافية من وقف العنف لكي تبدأ عملية بناء السلم من المباشرة بجدية في البلاد. وللوصول إلى هذا الحد الأدنى من وقف العنف لا بد من مفاوضات مباشرة على المستويين المحلي والوطني. تحدد هذه الورقة بعض الفوارق العملية بين عمليات الحوار وعمليات التفاوض وما يمكن انجازه عبر كل واحدة منها (وما لا يمكن إنجازه)، كما تحدد كيفية دعم كل مسار من المسارات للمسارات الأخرى.


ما رأيك بهذه الدراسة ؟ و هل قدمت حلا عمليا للقضية المطروحة ؟ وما مدى قابليتها للتطبيق في المدى القريب ؟